أحمد ياسوف
18
دراسات فنيه في القرآن الكريم
بالكتابة الصفر ، إذ لا علاقة لها بالانحرافات النفسية الفنية ، وهي لا تعنى بالانتقاء ، ذلك لأنها لا تعنى بالاعتبارات الوجدانية ، فتقلع عن جمال العلاقات النحوية المؤثرة والتي تعطي للتركيب اللغوي توتره وروح المغيرة اللافتة للانتباه ، كما تقلع عن الجمال الذي يغدق به علم الصرف ، والذي يعطي الصيغة الداخلية الفاعلية الجمالية ، وتتجاهل الفروق الدقيقة بين المفردات ، ويتصفح عن شعرية الكلمات التي قالوا فيها الكثير الكثير ، وبناء العنصر الخيالي للمفردة في طيات دخيلة المبدع وعلى الورق وعند المتلقي ، تهمل الكتابة العلمية كل هذا ، ولها الحق ، لأنها كتابة مباشرة لا تخاطب الشعور ، والمفردة في مضمارها لا تعدو أن تكون وسيلة لمخاطبة العقل مباشرة ، ولو سارت على المنهج الأدبي لطمست الحقائق ، فلا ضير بالتفريق بين لغة الإشارة ولغة الانفعال . إن الكتابة الأدبية بناء لغوي جميل ، وخلق لغة من اللغة ، ولكن هذا الخلق يبنى على التحويل ، فالخطاب الأدبي تحويل الموجود أي بعث لغة وليدة « 1 » ، تشبه اللغة الأولية من بعيد ، ولدى التدقيق يستبين أنه شبه صوتي . ويرى الأديب أن المفردة كائن حي ودلالة حيوية ، فيوقظها من غفوتها في المعجم ، ويردّ إليها ما نسي من عالمها الحسي الفوّار ، ما دامت المفردة تقوم بمهمة نقل المشاعر فلا مندوحة من اللغة الحسية ، وهذا ما يؤمي إليه مصطلح البيان كما يبدو لنا ، فهو قرين التجسيم والفنون كلها حالات تجسيم ، « فإن القدرة الفنية لدى الشاعر تعمل على خلق الحالات النفسية ، وتعيد للكلمات شعلتها التي خمدت » « 2 » .
--> ( 1 ) انظر التحليل الألسني للأدب ، محمد عزام ، ص 99 . ( 2 ) لغة الشعر ، د . رجاء عيد ، ص 391 ، وانظر مثلا : الشعر العربي المعاصر ، د . يوسف اليوسف ، ص 15 . والاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي ، د . عبد القادر فيدوح ، ص 383 وما بعدها .